الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

267

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

حياته التي هي وجوده من حبل الوريد ، وإضافة الحبل إليه بيانه ، وهذا تقريب منه تعالى للمقصود ، أعني قربه به بجملة ساذجة يسهل تلقيها لعامة الأفهام ، وإلا فأمر قربه تعالى إلى الإنسان أعظم من ذلك ، ومن أن يوصف ولكونه دقيقا يشقّ تصويره على أكثر الأفهام ، بيّنه سبحانه في كلامه بنحو آخر وهو قوله تعالى ( أن اللَّه يحول بين المرء وقلبه ) 8 : 24 ( 1 ) ، فهذا كمال قربه من جميع الجهات بلا كيفية مكانية زمانية . وأما الثاني : أعني قرب العبد إليه تعالى ، فهو على قسمين : القسم الأول : الاعتباري ، بمعنى أن العبد المتقرب إليه تعالى يكون مورد نظره تعالى ، بأن يرحمه ، ويستجيب دعاءه ويرزقه الرزق الحسن ، ويدخله الجنة وينعمه بنعمها وهكذا . وبعبارة أخرى : يكون محترما عنده تعالى ، وهذا التقرب يحصل بإتيان الأعمال الصالحة من الوظائف الشرعية مطلقا ، إذا كانت صادرة عن إخلاص ، وقد دلَّت عليه كثير من الأدلة على ثواب الأعمال كما لا يخفى . وهذا القرب يكون للمؤمن ولأولياء اللَّه تعالى أيضا ، إلا أنه ليس المراد من قوله عليه السّلام : والمقرّبون ، بل المراد منه هو القسم الثاني من القرب بما له من المعنى الأعلى . القسم الثاني : وحاصله : أن المستفاد من الأحاديث من مثل قوله عليه السّلام : " وخلقه الخلق حجاب بينه وبينهم ، " أن نفس الخلق هو الحجاب ، وحقيقة الخلق هو الحدّ الموجب لخفاء الحق ، وذلك الحّد إما بالجهل بالمرّة أو ببعض مراتبه الكثيرة ، أو بالعجز بالمرة أو ببعض مراتبه الكثيرة ، أو بالمظلمة بالمرة أو ببعض مراتبها الكثيرة ، أو بالشك بتمامه أو ببعض مراتبه الكثيرة ، أو بالغفلة بتمامها أو ببعض مراتبها الكثيرة فإنها من أعظم الحجب ، بل هي الحجاب غالبا للكل ، ولذا قيل إن الغفلة عنه تعالى هو المانع لمشاهدته تعالى بالقلب ، وإلا فلو ذهل الإنسان عن الحدود الخلقية وانغمس في التوجه إليه تعالى بالإعراض عن حدوده وهوى نفسه ، فربما يتجلى لقلبه شطر

--> ( 1 ) الأنفال : 24 . .